يوسف زيدان

140

إعادة اكتشاف ابن نفيس

اللفظ نقيض ما قصده القائل . ولو جزمنا بعدم جميع هذه الاحتمالات ، لم يحصل الجزم بالمفهوم إلا بعد الجزم بمعانى اللغة ، وبصحة النحو والتصريف . . ولا شك أن ذلك مما يبعد الوصول إليه . وأما الكتاب العزيز ، فالنصوص فيه قليلة ، وأكثر ما فيه قابل للتأويل . . فلذلك افتقرنا إلى البرهان العقلي . والغرض منه إفادة اليقين مما يمكن الوصول إليه بالطرق العقلية ، ولا بد أن يكون يقينىّ الإنتاج ، فيجب أن يكون قياسا ؛ إذ قد بيّنا ضعف الاستقراء والتمثيل . ولا بد أن تكون مقدماته صادقة ، فإن المقدمات الكاذبة ، وإن لزم عنها نتيجة صادقة بالعرض « 1 » ، ولا بد أن تكون يقنّية الصدق ، إذ الشكّ في صدق المقدمات يوجب الشكّ في صدق النتيجة ! فيلزم أن تكون إما من الواجب القبول ، أو مما يستنتج منها . فإذن ، البرهان قياسىّ يقينىّ الإنتاج ، يقينىّ المقدمات ، والغرض منه إفادة الحق جزما . فيستحيل إذن ما يظنه الجهّال من تعارض البرهان العقلي للبرهان السمعي ، ليطلبوا الترجيح بينهما ، لكنه قد يعارض البرهان العقلي ظاهر الكتاب والسنة كالبراهين المانعة من أن يكون لله تعالى عضو كاليد أو الوجه ، والمانعة للجلوس في حقه تعالى . . وحينئذ يجب الأخذ بالبرهان العقلي ، ويتوقّف في مفهوم ظاهر الكتاب العزيز أو السنة المطهّرة « 2 » . وبعضهم يرى أنه يؤوّل ذلك الظاهر ، وينزله على مقتضى البرهان العقلي ، ولو كان على وجه بعيد جدّا في اللغة . وهذا عندي من التحجّر على الله تعالى وعلى رسوله ، وسوء الأدب عليهما ، فإنه من الجائز أن يكون المراد بذلك غير المعنى

--> ( 1 ) في المخطوطة : فالعرض . ( 2 ) ولم يقتصر العلاء في تطبيقه لهذا المبدأ عند حدود القرآن والسنة ، وإنما طبّقه أيضا على الواقعة التاريخية ذات الطابع الإشكالى . . فعند ما تعرّض في الفصل الأخير من الرسالة الكاملية فاضل بن ناطق لخلاف الصحابة بعد وفاة النبي ، واختلاف مواقفهم ، واقتتالهم ؛ نراه يتوقّف عن الخوض في مناقشة ما جرى بينهم ، وعن ترجيح موقف على الآخر ، ويمر على المسألة برمتها مرور الكرام . غير أن العلاء ( ابن النفيس ) لم يلتزم بعقلانيته وموضوعيته تمام الالتزام - والحق يقال - ففي الصفحات الأخيرة من الرسالة الكاملية ، نراه يبرّر سلطة المماليك ، ويؤكدها ؛ كأي مفكر من مفكري السلطان !